السيد حيدر الآملي
183
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
منها ، ومعنى الإجالة نقل كلّ منها إلى وقته ، وتحويله من العدم والإمكان الصرف إلى مدّته المضروبة لوجوده ، واللَّام في لأوقاتها لام التعليل أي لأجل أوقاتها إذ كلّ وقت يستحق بحسب قدرة اللَّه وعلمه أن يكون فيه ما لا يكون في غيره ، وعلى النسخة الأخرى فمعنى تأجيلها جعل أوقاتها آجالا لها لا تتقدّم عليها ولا تتأخر عنها كما قال : فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ [ سورة الأعراف : 34 ] . ونبّه بقوله : ولأم بين مختلفاتها ، على كمال قدرة اللَّه تعالى ، وبيان ذلك في صورتين : إحديهما أنّ العناصر الأربعة متضادّة الكيفيّات ، ثمّ إنّها إذا اجتمعت بقدرة اللَّه تعالى وعلى وفق حكمته حتّى انكسرت صورة كلّ واحد منها بالآخرة وهو المسمّى بالتفاعل حصلت كيفيّة متوسّطة بين الأضداد متشابهة وهي المزاج فامتزاج اللطف بالكثيف على ما بينهما تضادّ الكيفيّات وغاية البعد بقدرته التّامّة من أعظم الدلائل الدّالة على كمالها . الثّانية ، أنّ الملائمة بين الأرواح اللطيفة والنفوس المجرّدة الَّتي لا حاجة بها في قوامها في الوجود إلى مادّة أصلا وبين هذه الأبدان المظلمة الكثيفة واختصاص كلّ نفس ببدن منها وتدبيره واستعماله فيما يعود إليها من المصالح على النظام الأقصد والطريق الأرشد ممّا يشهد بكمال قدرته ولطيف حكمته . وقوله : وغرّز غرائزها ، إشارة إلى ركز القوى الجسمانيّة النفسانيّة فيما هي قوى له ، وخلق كلّ ذي طبيعة على خلقه ومقتضى قواه الَّتي غرزت فيه من لوازمه وخواصّه مثلا كقوّة التعجب والضحك للإنسان ، وقوّة الشجاعة للأسد والجبن للأرنب ، والمكر للثعلب وغير ذلك ، وعبّر عن إيجادها فيها بالغرز وهو الرّكز ، استعارة لما يعقل من المشابهة بينها وبين العود الَّذي يركز في الأرض من جهة المبدأ ومن جهة الغاية ، وذلك أنّ اللَّه سبحانه لمّا غرّز هذه الغرائز في محالَّها وأصولها وكانت الغاية من ذلك ما يحصل منها من الآثار الموافقة لمصلحة العالم أشبه ذلك غرر الإنسان العود في الأرض لغاية أن يثمر ثمرة منتفعا بها . وقوله : وألزمها أسناخها ، إشارة إلى أنّها لا تفارق أصولها ولا يمكن زوالها عنها لأنّ اللَّازم هذا شأنه ، ومن روى أشباحها بالشين المعجمة فالمراد أنّ ما غرّز في الأشخاص